الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
184
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
في حضرتها ويطوفون حولها ، وكأنهم كانوا ملازميها دائما . إن مقولة إبراهيم ( عليه السلام ) هذه في الحقيقة استدلال على بطلان عبادة الأصنام ، لأن ما نراه من الأصنام هو المجسمة والتمثال ، والباقي خيال وظن وأوهام ، فأي إنسان عاقل يسمح لنفسه أن يوجب عليها كل هذا التعظيم والاحترام لقبضة حجر أو كومة خشب ؟ لماذا يخضع الإنسان - الذي هو أشرف المخلوقات - أمام ما صنعه بيده ، ويطلب منه حل مشاكله ومعضلاته ؟ ! إلا أن عبدة الأصنام لم يكن عندهم - في الحقيقة - جواب أمام هذا المنطق السليم القاطع ، سوى أن يبعدوا المسألة عن أنفسهم ويلقوها على عاتق آبائهم ، ولهذا قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين . ولما كانت حجتهم بأن " هذه العبادة هي سنة الآباء " غير مجدية نفعا . . ولا نمتلك دليلا على أن السابقين من الآباء والأجداد أعقل وأكثر معرفة من الأجيال المقبلة ، بل القضية على العكس غالبا ، لأن العلم يتسع بمرور الزمن ، فأجابهم إبراهيم مباشرة ف قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين . إن هذا التعبير المقترن بأنواع التأكيدات ، والحاكي عن الحزم التام سبب أن يرجع عبدة الأصنام إلى أنفسهم قليلا ، ويتوجهوا إلى التحقق من قول إبراهيم ، فأتوا إلى إبراهيم قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين لأن أولئك الذين كانوا قد اعتادوا على عبادة الأصنام ، وكانوا يظنون أن ذلك حقيقة حتمية ، ولم يكونوا يصدقون أن أحدا يخالفها بصورة جدية ، ولذلك سألوا إبراهيم هذا السؤال تعجبا . إلا أن إبراهيم أجابهم بصراحة : قل بل ربكم ورب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين . إن إبراهيم ( عليه السلام ) قد بين بهذه الكلمات القاطعة أن الذي يستحق العبادة هو خالقهم وخالق الأرض وكل الموجودات ، أما قطع الحجر والخشب المصنوعة فهي لا شئ ، وليس لها حق العبادة ، وخاصة وقد أكد بجملة وأنا على ذلكم من